محمد حسين علي الصغير

23

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

والتشبيه دون الخوض في التفصيلات التقسيمية المملة . وهذا ما يدعونا إلى اعتبار عبد القاهر الجرجاني مكتشف الاصطلاح البياني لا في حدوده التطبيقية فحسب بل في جزئياته واعتباراته البيانية بعامة . استقرار المصطلح البياني يبدو لنا أن الحد الاصطلاحي لعلم البيان لم يعجز عبد القاهر الجرجاني بعد أن أبان متعلقات علم البيان ومفرداته ، ولكنه كان غير معني بهذا الحد لحاجة في نفسه نميل إليها ونؤيده بها كثيرا ، إذ لم يكن هدفه إضفاء صيغة الجزم على علم يتسع لمعالم عديدة اتساع اللغة والفن اللذين لصقا به وهما العربية والبلاغة ، لذا كان اهتمامه - كما أسلفنا - منصبا حول ثمرات هذا العلم وجودة عطائه ، وإلا فالتحديد الضيق لم يكن يغرب عن باله ، ولا يغرب عن تطلعاته . وأخيرا استقر البلاغيون على تعريف السكاكي ( ت : 626 ه ) لعلم البيان « فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طريق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه ، وبالنقصان ليحترز على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد » « 1 » . ولا مانع من قبول هذا التعريف فهو جامع مانع كما يقول المناطقة باعتباره اتبع طريقتهم في الحد والتخريج ، إلا أنه أدخل الدلالات اللفظية في مباحثه فعد كلا من الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية ، والدلالة التضمنية في استيعاب علم البيان ، وهي مباحث منطقية انتقل بها من روعة البيان وبهائه إلى عقم الكلام وتخريجاته « 2 » . وبعد بحث عقيم لا يسمن ولا يغني من جوع نجده يقول : « وإذا عرفت أن إيراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى إلا في الدلالات العقلية ، وهي الانتقال من معنى إلى معنى بسبب علاقة بينهما . . . ظهر لك أن مرجع علم البيان عدّ هاتين الجهتين : جهة الانتقال

--> ( 1 ) السكاكي ، مفتاح العلوم : 77 . ( 2 ) ظ : المصدر نفسه : 156 .